عبد القادر الجيلاني
97
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
شريك ، فيتحقق حينئذ قوله عزّ وجلّ : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ حتى إذا تنظف القلب من الشركاء والأنداد من الأهل والمال والولد واللذات والشهوات وطلب الولد والرياسات والكرامات والحالات والمنازل والمقامات والجنات والدرجات والقربات والزلفات فلا يبقى في القلب إرادة ولا أمنية ، يصير كالإناء المنثلم الذي لا يثبت فيه مائع لأنه انكسر لفعل اللّه عزّ وجلّ ، وأنه كلّما تجمعت فيه إرادة كسرها فعل اللّه وغيرته ، فضربت حوله سرادقات العظمة والجبروت والهيبة ، وأحضرت من دونها خنادق الكبرياء والسطوة ، فلم يخلص إلى القلب إرادة شيء من الأشياء ، فحينئذ لا يضر القلب الأسباب من المال والولد والأهل والأصحاب والكرامات والحكم والعلم والعبادات ، فإن جميع ذلك يكون خارج القلب فلا يغار اللّه عزّ وجلّ بل يكون جميع ذلك كرامة من اللّه لعبده ولطفا به ونعمة ورزقا ومنفعة للواردين عليه ، فيكرمون به ويرحمون ويحفظون لكرامته على اللّه عزّ وجلّ ، فيكون خفيرا لهم وكنفا وحرزا وشفيعا دنيا وأخرى . المقالة الثالثة والثلاثون تقسيم الرجال إلى أربعة أقسام قال رضي اللّه عنه وأرضاه : الناس أربعة رجال : ( رجل ) لا لسان له ولا قلب وهو العاصي الغر الغبي لا يعبأ اللّه به ، لا خير فيه ، وهو وأمثاله حثالة لا وزن لهم إلى أن يعمهم اللّه عزّ وجلّ برحمته ، فيهدي قلوبهم للإيمان به ويحرك جوارحهم بالطاعة له عزّ وجلّ ، فاحذر أن تكون منهم ، ولا تكترث بهم ولا تقم فيهم فإنهم أهل العذاب ، والغضب والسخط سكان النار وأهلها ، نعوذ باللّه عزّ وجلّ منهم ، إلا أن تكون من العلماء باللّه عزّ وجلّ ومن معلمي الخير وهداة الدين وقواده ودعاته ، فدونك فإنهم وادعهم إلى طاعة اللّه عزّ وجلّ ، وحذرهم معصيته فتكتب عند اللّه جهبذا ، فتعطي ثواب الرسل والأنبياء ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « لأن يهدي اللّه بهداك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس » . ( الرجل الثاني ) رجل له لسان بلا قلب فينطق بالحكمة ولا يعمل بها ، يدعو الناس إلى اللّه وهو يفر منه عزّ وجلّ ، يستقبح عيب غيره ويدوم هو على مثله في نفسه ، يظهر للناس تنسكا ويبارز اللّه عزّ وجلّ بالعظائم من المعاصي ، إذا خلا كأنه